عثمان بن جني ( ابن جني )
446
الخصائص
يكون جمعان أحدهما أكثر من صاحبه وكلاهما مثال الكثرة ؛ ألا ترى أن مائة للكثرة ، وألفا أيضا كذلك ، وعشرة آلاف أيضا كذلك ، ثم على هذا ونحوه . فكأن بيوتا مائة ، وبيوتات مائة ألف ؛ وكأن عقبانا خمسون ، وعقابين أضعاف ذلك . وإذا كان ذلك علمت اختلاف المعنيين لاختلاف اللفظين . وإذا آل بك الأمر إلى هذا لم ( تبق وراءه مضطربا ) فهذا قول . وجواب ثان : أنك إنما تكسّر نحو أكلب وعقبان ونداء لمجيء كل واحد من ذلك على أمثلة الآحاد وفي طريقها ، فلمّا جاءت هذا المجيء جرت مجرى الآحاد ، فجاز تكسيرها ؛ كما يجوز تكسيرها ؛ ألا ترى أنّ لذلك ما جاز صرفها ، وترك الاعتداد بمعنى الجمعيّة فيها ، لمّا جاءت مجىء الآحاد ؛ فصرف كلاب ؛ لشبهه بكتاب ، وصرف بيوت ؛ لشبهه ( بأتىّ وسدوس ) " 1 " ومرور ؛ وصرف عقبان ؛ لشبهه بعصيان وضبعان . وصرف قضبان ؛ لأنه على مثال قرطان " 2 " . وصرف أكلب ؛ لأنه قد جاء عنهم أصبع وأرزّ ( وأسنمة ) " 3 " ولأنه أيضا لما كان لجمع القلّة أشبه في المعنى الواحد ؛ لأن محلّ مثال القلّة من مثال الكثرة في المعنى محلّ الواحد من الجمع ، فكما كسّروا الواحد ، كذلك كسّروا ما قاربه من الجمع . وفي هذا كاف . فإن قلت : فهلا ثنّيت التثنية ؛ كما جمعت الجمع ؟ قيل : قد كفتنا العرب بقولهم : أربعة ( عن قولهم ) اثنانان . وأيضا فكرهوا أن يجمعوا في ( اثنانان ) ونحوه بين إعرابين ، متفقين كانا أو مختلفين ؛ وليس شيء من ذلك في نحو أكلب وأكالب . ومن ذلك ما قال أصحابنا : إن وصف العلم جار مجرى نقض الغرض . وذلك أن العلم إنما وضع ليغنى عن الأوصاف الكثيرة ؛ ألا ترى أنك إذا قلت : قال الحسن في هذه المسألة كذا ، فقد استغنيت ( بقولك : الحسن ) عن قولك : الرجل الفقيه القاضي العالم الزاهد البصرىّ الذي كان من حاله كذا ، ومن أمره كذا ، فلمّا قلت : الحسن أغناك عن جميع ذلك . فإذا وصف العلم فلأنه كثر المسمّون
--> ( 1 ) الأتىّ - بضم الهمزة - من مصادر أتى ، وهو أيضا النهر يسوقه الرجل إلى أرضه . اللسان ( أتى ) . والسدوس : الطيلسان . ( 2 ) قرطان : ما يلقى تحت السرج . ( 3 ) أسنمة : موضع .